ألف ألف مبروك
مع نهاية دوام يوم الخميس الماضي، لم يكن إطفاء أنوار القاعات والمدرجات الأكاديمية مجرد إجراء روتيني، بل كان إعلانًا صامتًا عن ختام مرحلة حافلة بالجهد والتحدي. أُغلقت الشعب، وتوقفت عمليات رصد الدرجات، وظهرت النتائج لتكشف حصيلة فصل دراسي من السهر والمثابرة، ففرح المجتهدون، وابتهجت البيوت والأسر، وتبادَل الأصدقاء والأحباب عبارات الفخر والتهنئة بمن تصدّر المشهد وحصد أعلى الدرجات ومراتب الشرف.
في رأيي، لا يقتصر النجاح على من نال الصدارة فحسب، بل يمتد ليشمل كل من خاض التجربة بصدق، وبذل ما في وسعه، وتعلّم من محاولاته، سواء توّجت بالتميز أم لا. فالنجاح الحقيقي هو ثمرة الإصرار، والالتزام، وعدم الاستسلام، وهو نتيجة طبيعية لمسار طويل من العمل الجاد.
هنيئًا لكل من قطف ثمار تعبه وذاق طعم الإنجاز، وهنيئًا لكل من كان خلف هذا النجاح من أسرٍ ومعلمين وداعمين آمنوا بالقدرة وشجعوا على الاستمرار. كما أن التقدير واجب لكل من لم تتحقق آماله هذه المرة، فالتجربة بحد ذاتها خطوة نحو نضج أكبر وفرص قادمة. فالنتائج ليست نهاية الطريق، بل محطة للتأمل والاستعداد لما هو أفضل.
يعجز اللسان والبيان والقلم عن الإحاطة بحجم مشاعر الفرح والسرور التي تتفجر عند لحظة النجاح، تلك المشاعر التي تأتي ممزوجة بنشوة الفوز والانتصار.
وفي رأيي، هذا الانتصار لا يُقاس بالدرجات أو الشهادات وحدها، بل هو قبل كل شيء انتصار على الذات، وعلى الكسل والتسويف، وعلى رفقاء السوء، وعلى سيل المغريات التي تفرضها الأجهزة والبرامج والتطبيقات التي تسرق الوقت والجهد دون أن نشعر.
لقد أصبح التحدي اليوم ضرورة لا خيارًا، ولن ينجح إلا من امتلك الشجاعة لمواجهة المعوقات والصعوبات، وتجاوز كل ما يعطّل طاقته ويبدد أحلامه. فالطريق إلى التميز لم يعد مفروشًا بالسهولة، بل يتطلب وعيًا وانضباطًا وإصرارًا مستمرًا.
ومن هذا المنطلق، أرى أن التهنئة لا تقتصر على لحظة النجاح فحسب، بل تشمل كل خطوة صادقة في طريق المجاهدة والاجتهاد.
مبروك للمرة الألف لمن أسعدوا أسرهم وأحبابهم وأنفسهم، ولكل من يترقب صعودهم وتميزهم، فهؤلاء هم الدليل الحي على أن الإرادة قادرة على صناعة الفارق وتحويل الطموح إلى واقع.
وفي المقابل، لا بد من وقفة صادقة مع من غلب عليهم التسويف والتقصير، ومن سمحوا للأوهام والأحلام غير الواقعية، وللكسل، ولأضواء السراب الزائفة أن تسيطر على أوقاتهم وجهودهم. وفي رأيي، فإن الخسارة هنا ليست دائمة، بل هي نتيجة طبيعية لمسار يمكن تصحيحه متى ما وُجد الوعي والإرادة.
قد تكون ساعات اللهو والغياب والإهمال ثقيلة في نتائجها، لكنها تظل قابلة للتعويض إذا استُبدلت بساعات من الجد والاجتهاد، ومراجعة الذات، والندم الإيجابي الذي يقود إلى الرجوع للواقع لا إلى الإحباط. وصدق من قال: من جدّ وجد، ومن زرع حصد، فهي قاعدة لا تتغير بتغير الظروف.
ومن هذا المنطلق، يبقى الأمل كبيرًا في كل من لم يوفق هذه المرة، ولن نفقد الثقة بقدرتهم على النهوض من جديد. وبإذن الله تعالى، سنبارك لهم قريبًا، ونفرح بنجاحهم كما فرحنا بزملائهم وزميلاتهم المتفوقين والمبدعين، فالإمكانات موجودة، وما ينقص هو القرار الصادق بالبدء من جديد.
وختامًا، وفي ضوء ما سبق، أرى أن واجب الشكر والتقدير لا يقل أهمية عن الاحتفاء بالنتائج نفسها. فخلف كل نجاح منظومة متكاملة من الجهود.. نشكر كل من يقف خلف كل هذه النجاحات من الأستاذ والأستاذة في القاعات والمعامل والمختبرات، إلى أكبر مسؤول في هذا الصرح الشامخ "جامعة الملك خالد". لقد أثبت الجميع، وبالشواهد والأدلة، أن الطالب والطالبة هما جوهر العملية التعليمية وأعظم مسؤولية نحملها جميعًا.
ومن وجهة نظري، لولا الطلاب والطالبات لما وُجدت الجامعات، ولما رأينا هذا العدد الكبير من الأكاديميين والإداريين والتقنيين، ولا عناصر الأمن والسلامة الذين يؤدون أدوارهم بكل إخلاص واحترام. فالجميع شركاء في صناعة هذا النجاح، وكل حلقة في هذه السلسلة لها أثرها الواضح والمقدّر.
لذلك، فإن التهنئة تتجدد وتتضاعف، ألف ألف ألف مبروك للمرة المليون، مع أصدق الدعوات بمزيد من التفوق والتميز، واستمرار هذه المسيرة المضيئة التي تعكس رسالة الجامعة السامية ودورها الريادي في بناء الإنسان وصناعة المستقبل.